نحو لملمة قطاع النقل العام

بقلم حازم زريقات، ترجمة تقوى مساعدة

 

يشهد الأردن تحوّلاً بطيئًا في مفهوم المواصلات العامة والتنقل الحضري. فهنالك مشروعان لباص الخط السريع تحت الإنشاء، ويبدو أن هنالك وعيًا أكبر بقضايا المواصلات بين صنّاع القرار والمواطنين على حد سواء. وعادًة ما يقود مثل هذا التحول إلى توترات مع المؤسسات والبُنى القائمة خاصًة في إطار تشغيل قطاع النقل العام.

أغلبية مركبات النقل العام في الأردن -كحافلات النقل الكبيرة، وباصات الكوستر، والسرافيس- تُدار من قبل الأفراد الذين يملكونها، بينما تُدير الشركات نسبةً بسيطةً من هذه المركبات.

تُمنحُ التصاريح والتراخيص للعمل بناءً على الخط الذي يُحدد له نقطة بداية ونقطة نهاية. يتم تحديد الخطوط والأجور من قبل السلطات التنظيمية -مثل هيئة تنظيم النقل البري، وأمانة عمان الكبرى، وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة- بناءً على المنطقة التي يمرّ بها الخط.

ورغم أن هذه السلطات هي المسؤولة اليوم عن منح التصاريح والتراخيص إلا أن الكثير من مشغّلي الخدمة العاملين حاليًا دخلوا القطاع قبل عدة عقود، أي قبل إنشاء أيّ من هذه المؤسسات أو قبل أن يكون لها أي سلطة على قطاع النقل. في ذلك الحين كانت الأمور بيد ما كان يُعرف بلجان السير الفرعية في وزارة الداخلية.

حاليًا يرى هؤلاء المشغّلون أن حقهم في تشغيل خطوطهم حقٌ مُكتسب، وبعضهم يريد الاستمرار في العمل بشكل منفرد، وليس كجزٍء من شركة أكبر. وهذا يشكّل عائقًا حقيقيًا في وجه إحداث نقلة نوعية في شبكة النقل العام في المملكة.

تقديم الدعم (وهو ما تحدّثت عنه في مقال سابق) وتعديل مسار الخطوط بما يخدم الطلب، وتأسيس بنية تحتيّة جديدة للنقل العام، واستخدام أنظمة تقنية لبيع التذاكر وتتبّع وسائل النقل، ووضع معايير جودة صارمة للخدمة يمكن رصدها، كل هذا سيكون صعب التطبيق في مثل بيئة التشغيل المشتّتة هذه.

غالبًا ما تكون التوترات مع المشغلين الحاليين معقّدة ومسيّسة، حيث يرى المشغلون أن أي تغيير على الوضع الحالي هو تهديد لوجودهم. إلا أنه ليس من المستحيل التعامل مع هذه التوترات، فالكثير من المدن والدول النامية في العالم، من أمريكا اللاتينية إلى أفريقيا، نجحت في ذلك.  

يكمن الحل في وجود إرادة سياسية قوية، لا تذعن للضغوط الشعبوية، وتقدّم برامج حوافز ذكية قادرة على تحويل المشغلين الحاليين إلى حلفاء في المستقبل.

ورغم وعود المسؤولين المتكررة بحل قضية الملكية الفردية، إلا أننا لم نرَ بعد أي خطوات ملموسة. ولكن هنالك على ما يبدو بصيص أمل في الأفق، حيث يناقش البرلمان قانونًا جديدًا للنقل ينص على مواد تطالب المشغلين بالاندماج في شركات، أو الانضمام إلى شركات قائمة ضمن فترة زمنية محددة. إذا تم إقرار هذا القانون فسيكون خطوة مهمة إلى الأمام.

إلا أن القانون يواجه معارضةً إلى حد ما، حيث يحاول المشغلون الحاليّون إضافة مواد إلى القانون تحمي «حقهم» في العمل على خطوط معينة. يجب أن تؤخذ هذه المحاولات على محمل الجد كونها تحظى بدعم من مجلس النواب وتأتي إلى حدّ ما من داخله، النظام الانتخابي القائم في الأردن ينتج برلمانات تعزز المصالح الفردية -بما فيها مصالح المشغلين الحاليين- بدلًا  من دفع أجندة برامجية تُعنى بتطوير نظام نقل عام عصري.  

وهنا يأتي الدور المهم الذي تقوم به مؤسسات المجتمع المدني والحملات الشعبية مثل «معًا نصل» (وأنا أحد أعضائها المؤسسين) والتي تمثل صوت المستخدِم، وبالتالي تُحْدث توازنًا في النقاش حول النقل العام. تضمن هذه المجموعات أن أي تشريع جديد يخص المواصلات سيشكل أساسًا قانونيًا لتطورات مستقبليّة، بدلًا من وسيلة لحماية بُنى التشغيل المتهالكة والتي عفا عليها الزمن.

يمكن أن ينجز هذا التغيير بالتعاون مع المشغلين الحاليين -بدلًا من الاصطدام بهم- وذلك من خلال برامج الحوافز الملائمة، التي تضمن عدم تهميش هذه الفئة والتي اعتمدت منذ فترة طويلة على تشغيل المواصلات مصدرًا لكسب رزقها.